أقولها الآن في أول أربع سنوات لي في ألمانيا، كنت أكره ألمانيا.
يشبه هدوء الرجل الذي يعترف بعد عشرين عامًا أنه كان يكره زوجته في أول أسبوع من الزواج، ثم اكتشف لاحقًا أن المشكلة لم تكن فيها تمامًا… بل في أنه كان أحمق بعض الشيء
عندما وصلت إلى ألمانيا، عشت تلك الأسابيع الأولى التي يعيشها كل مهاجر جديد.
كل شيء كان رائعًا، الشوارع نظيفة، القطارات لا تأتي في موعدها، المباني جميلة، والناس شقر أكثر مما ينبغي، كأن الحكومة توزع صبغة الشعر مع الإقامة
كنت أمشي في الشارع وأنظر حولي كما ينظر طفل دخل متجر ألعاب لأول مرة.
ثم انتهت فترة شهر العسل، بسرعة مخيفة
كانت علاقتي بألمانيا في البداية أشبه بعلاقة عاطفية ساخنة بدأت على الإنترنت، صور جميلة، ووعود كثيرة، وحماس هائل… ثم التقينا على أرض الواقع واكتشف كل منا أن الآخر ليس تمامًا كما تخيله
بعد أسابيع قليلة فقط بدأت أسأل نفسي السؤال الذي يسأله كل مهاجر في لحظة ضعف .. ماذا أفعل هنا بحق السماء؟
اللغة كانت أول كارثة.
كنت أسمع الألمان يتحدثون فأشعر أنني أقف بجوار ورشة نجارة، أصوات حادة، كلمات طويلة، وحروف كثيرة تصطدم ببعضها كأن اللغة الألمانية اخترعها رجل غاضب كان يحمل منشارًا كهربائيًا
كنت أسمع جملة ألمانية طويلة، أنتظر نهايتها بشغف، ثم أكتشف أنني لم أفهم حتى إن كان الرجل يطلب قهوة أم يعلن الحرب على بولندا
ولم أتخيل يومًا أنني سأستطيع التحدث بهذه اللغة، كنت مقتنعًا أن تعلم الألمانية يحتاج إلى دماغ إضافي يتم تركيبه جراحيًا خلف الأذ
ثم جاء البرد. وأنا قادم من بلاد كانت الشمس فيها فردًا من أفراد العائلة، نراها كل يوم أكثر مما نرى بعض أقاربنا، هناك تخرج من المنزل فتصفعك الشمس على وجهك لتذكرك بأنها موجودة
أما هنا، فكنت أفتح النافذة في الشتاء فأشعر أن سيبيريا أرسلت لي رسالة خاصة، كانت برودة تجعل فكرة الخروج من البيت تحتاج إلى اجتماع عائلي، وتصويت بالأغلبية، ودراسة جدوى
ثم الوحدة، وهذه كانت أكثر الأشياء قسوة، لم تكن لدي حياة اجتماعية حقيقية
تمر الأيام ببطء، وأعود إلى البيت، وأجلس وحدي، وأنتظر الغد لكي يأتي… ثم يأتي الغد فأنتظر اليوم الذي بعده.
كنت أعيش بطريقة مؤجلة.
أقول لنفسي .. عندما أتعلم اللغة سأبدأ حياتي، عندما تنتهي هذه المشكلة سأبدأ حياتي، عندما أجد عملًا أفضل سأبدأ حياتي
عندما يصبح الطقس ألطف سأبدأ حياتي، ثم اكتشفت شيئًا مرعبًا جدًا، أن الحياة لم تكن تنتظرني أصلًا كانت تمر.
وأن تلك الأيام التي كنت أتمنى انتهاءها لم تكن فترة تجريبية قبل الحياة… كانت هي الحياة نفسها، وكان ذلك شبابي
كبرت سريعًا دون أن ألاحظ، الزمن لديه عادة سيئة جدًا، لا يخبرك أنه يسرقك
لا يأتي رجل يحمل حقيبة ويقول .. مساء الخير، جئت لأخذ ثلاث سنوات من عمرك، بل يأخذها منك في أقساط صغيرة جدًا حتى لا تنتبه
في تلك الفترة كتبت كتابًا أسميته .. أجنبي جديد في ألمانيا
واليوم، عندما أقرأ بعض ما كتبته فيه، أضحك، وأحيانًا أخجل، وأحيانًا أتمنى لو استطعت العودة بالزمن لأربت على كتف ذلك الشاب وأقول له.
اهدأ يا عزيزي… أنت لا تعرف شيئًا بعد.
كنت أكتب عن برودة الألمان، عن ضعف علاقاتهم الاجتماعية، عن الفردية، عن حياتهم الجافة، عن أجسادهم الضعيفة، وعن أشياء كثيرة كنت أظن أنني فهمتها بعد بضعة أشهر، كما يفهم السائح مصر بعد أن يزور الأهرامات ويأكل الكشري ويتحلي بالقنبلة كما يسميها المصريين
كنت أنظر إلى ألمانيا من خلف عدسات جاهزة أحضرتها معي في حقيبتي.
صورة نمطية كاملة، كنت لا أرى البلاد كما هي… بل كما أخبروني أنها ستكون، وهذه من أخطر الأشياء التي يفعلها العقل البشري
نحن نرى ما نتوقع أن نراه.
إذا أخبروك أن شعبًا بارد، ستفسر الصمت برودًا، إذا أخبروك أنهم عنصريون، ستفسر أي نظرة عابرة كأن الرجل يراجع قوانين نورمبرغ في رأسه
إذا أخبروك أنهم بلا مشاعر، فحتى لو ابتسم لك أحدهم ستظن أن الابتسامة جزء من اللوائح الداخلية للبلدية
احتجت إلى أربع سنوات تقريبًا كي تبدأ العدسات بالسقوط.
بدأت أفهم اللغة، وهذه وحدها غيّرت العالم، اللغة ليست مجرد كلمات، اللغة مفتاح الغرفة
قبل أن تتعلم لغة بلد ما، أنت تقف خلف الزجاج وتشاهد الناس يتحركون دون أن تسمع الموسيقى، وعندما تفهمها، تفتح الباب فجأة
بدأت أسمع النكات، أفهم السخرية، أفهم لماذا يضحكون، أفهم لماذا يغضبون، أفهم أن الرجل الذي ظننته متكبرًا لم يكن متكبرًا… بل كان فقط ألمانيًا في السابعة صباحًا قبل القهوة.
بدأت أسافر.
أركب القطارات، أدخل القرى الصغيرة، أمشي في المدن التي لم أعرف أسماءها من قبل، أجلس في الحدائق، أتحدث مع الناس
حتى البرد الذي كنت أتعامل معه في سنواتي الأولى كعدو شخصي، تغيّر هو الآخر، أو ربما لم يتغيّر هو أصلًا… أنا الذي تغيّرت
بعد سنوات صار الشتاء طبيعيًا، ثم جميلًا، ثم شيئًا أشتاق إليه صرت أخرج في درجات حرارة كنت قد اعتبرتها قديمًا سببًا مشروعًا للبقاء في البيت حتى الربيع، وأجد الهواء البارد منعشًا والسماء الرمادية لها سحرها الخاص
ولا أعرف حتى اليوم هل تغيّر مناخ ألمانيا، أم أن جسدي قرر أخيرًا التوقف عن الشكوى ووقّع اتفاق سلام مع البرد
المؤكد فقط أن سيبيريا التي كنت أظنها ترسل لي رسائل تهديد كلما فتحت النافذة… صارت ترسل لي تحية صباحية
وبدأت أرى ألمانيا للمرة الأولى.
ليس بعيني المهاجر الخائف، ولا بعيني العربي الذي جاء يحمل معه ألف حكاية مسبقة، بل بعيني طفل لم يخبره أحد بعد ماذا يجب أن يحب وماذا يجب أن يكره
بدأت أراها بعقلي أولًا، ثم حدث شيء غريب، لحقت مشاعري بعقلي
بدأت أحب التفاصيل.
وهنا تعلمت من الألمان درسًا ربما هو أهم درس تعلمته منهم، أن الأشياء الكبيرة تُصنع من تفاصيل صغيرة جدًا
النظام هنا لا يظهر لك في خطاب سياسي عظيم، يظهر في الرصيف، في إشارة المرور، في ملعب الأطفال، في الشجرة التي ترك المهندس لها مكانًا حين رسم الطريق
في الحافلة التي يمكن أن يصعد إليها رجل على كرسي متحرك دون أن يحتاج إلى أربعة رجال يحملونه وكأنه بيانو.
في مكتبة صغيرة داخل حي سكني، في مقعد وضعوه تحت شجرة لأن أحدهم فكر أن إنسانًا مسنًا قد يحتاج يومًا إلى الجلوس هنا
هناك حضارات تبني تمثالًا ضخمًا كي تقول لك إنها عظيمة، وهناك حضارات تضع منحدرًا صغيرًا لعربة طفل عند باب محطة القطار
أنا صرت أحترم المنحدر الصغير أكثر، ثم بدأت أحب ميونخ.
وهنا يجب أن أكون دقيقًا، أنا عندما أقول إنني أحب ألمانيا، فأنا في الحقيقة أخون الجغرافيا قليلًا.
أنا أحب ميونخ.
ميونخ تحديدًا، أحب أضواء شوارعها حين يبدأ المساء، أحب أزقتها القديمة، أحب الأرضيات الحجرية التي تمشي فوقها فتشعر أن آلاف البشر مروا هنا قبلك وقرروا بطريقة ما أن يتركوا المكان جميلًا لك
أحب الحدائق، أحب نهر الإيزار، أحب أن تجد وسط مدينة مكتظة مكانًا يجلس فيه رجل تحت شجرة ويقرأ كتابًا بينما العالم حوله يرك
أحب الحرية هنا، وهذه كانت نقطة اللاعودة.
عندما تعيش حرًا فترة طويلة، تصبح الحرية عادة سيئة جدًا لا تستطيع التخلص منها، تعتاد أن تقول رأيك، أن تختار ملابسك، أن تختار عملك، أن تغير تخصصك، أن تفشل
أن تبدأ من جديد..
أن تقول للحكومة إنها مخطئة دون أن تبدأ والدتك بتحضير حقيبة ملابس لك لأنها تتوقع زيارتك القادمة من خلف القضبان
تعتاد أن ترى الناس مختلفين ولا تعتبر اختلافهم مؤامرة شخصية عليك، هذا يصلي، وهذا لا يصلي، هذا يميني، وهذا يساري، وهذا نباتي إلى درجة أنه يشعر بالذنب عندما يرى بقرة في إعلان حليب
يتجادلون، يختلفون، يتظاهرون، يصوتون، ثم يعود كل واحد منهم إلى بيته، لا أحد يحتاج أن يختبئ داخل جماعة ضخمة لكي يشعر بالأمان وهو يقول رأيه
الديمقراطية هنا ليست دائمًا جميلة، ولا هي عادلة في كل لحظة، وليست ميونخ المدينة الفاضلة.
الألمان أنفسهم سيخبرونك بهذا قبل أن تنهي الجملة، فهم لديهم موهبة استثنائية في الشكوى من بلدهم، ضع ألمانيًا في أجمل حديقة بالعالم وسيجد خلال عشر دقائق أن المقعد يحتاج إلى طلاء
لكن هذا أيضًا جزء مما أعجبني، أن المجتمع الذي ينتقد نفسه باستمرار يظل قادرًا على إصلاح نفسه.
وأنا منبهر بالنظام التعليمي هنا، ليس لأنه كامل، بل لأنه ينطلق من فكرة بسيطة جدًا لم أفهم قيمتها إلا لاحقًا
ليس مطلوبًا من كل البشر أن يصبحوا الشيء نفسه، ليس مطلوبًا من الجميع أن يكونوا أطباء ومهندسين ومحامين حتى تستطيع أمهاتهم الحديث عنهم بفخر في الأعراس
الإنسان هنا يستطيع أن يتعلم مهنة، ثم يغيرها، ثم يبدأ من جديد، ويظل إنسانًا محترمًا.
قيمة الشخص ليست مكتوبة على بطاقة عمله.
ثم هناك علاقتهم بالأرض.
نحن في بلادنا نكتب آلاف القصائد عن الوطن، نغني له، نبكي عليه، نقسم أننا نفديه بالروح والدم، ثم يرمي أحدهم علبة مشروب من نافذة السيارة فوق التراب الذي كان قبل دقيقة مستعدًا أن يفديه بدمه
هنا لا يغنون للأشجار كثيرًا، إنهم فقط لا يقطعونها، لا يكتبون قصيدة طويلة عن الغابة، ينظفونها، يقلمون الأشجار، يحمونها، يخططون المدن حولها
وهذا نوع من الحب تعلمت أن أحترمه، الحب الذي لا يتكلم كثيرًا
تدخل أحياء كاملة فتجد الأبنية، وبينها الأشجار والغابات والحدائق، كأن المهندس حين رسم الحي تذكر فجأة أن البشر حيوانات تحتاج إلى شيء أخضر كي لا تصاب بالجنون
حتى الطبيعة هنا تبدو وكأن لديها موعدًا في البلدية.
كل شيء محسوب، أحيانًا أكثر مما ينبغي، حتى العشوائية نفسها تشعر أنها تحتاج إلى Termin
وطبعًا، ألمانيا ليست الجنة.
من يقول ذلك إما لم يعش فيها، أو يعمل في وزارة السياحة، هناك بيروقراطية تستطيع أن تجعلك تتساءل إن كان الموظف يريد شهادة ميلاد جدك الثالث
هناك ضرائب تجعلك تشعر أحيانًا أن راتبك مرّ فقط ليلقي عليك التحية ثم ذهب إلى خزينة الدولة، هناك قطارات بدأت في السنوات الأخيرة تتعامل مع مواعيدها بوصفها اقتراحات أدبية
وهناك موظف ألماني قادر على النظر إلى ورقة ناقصة بطريقة تجعلك تشعر أنك خيبت آمال الحضارة الغربية كلها.
لكن الغريب أنك، رغم هذا، تتعلق بالمكان، ربما لأن المكان لا يطلب منك أن تحبه
هو فقط يعمل كل صباح، ينظف الشوارع، يشغل المدارس، يصلح الحدائق، يرمم المباني التراثية والشوارع، ويترك لك مساحة تعيش فيها بالطريقة التي اخترتها
ثم تكتشف بعد سنوات أنك أصبحت جزءًا منه.
أن تلك الشوارع لم تعد شوارع أجنبية، أن المحطة التي كنت تضيع فيها صارت مألوفة، أن اللغة التي كانت تبدو كصوت منشار صارت لغة تفكر بها أحيانًا دون أن تنتبه
أن الشتاء الذي كنت تكرهه صار له طقوس تعرفها، وأن المدينة التي كنت تعد الأيام لكي تغادرها أصبحت مدينة تشتاق إليها عندما تغيب عنها
هذه هي المفارقة التي تضحكني.
أنا الذي أمضيت سنوات أريد الهرب من ألمانيا… أصبحت الآن أخشى أن أفقدها، وربما لهذا أضحك عندما أقرأ كتابي القديم
لا لأن ذلك الشاب كان غبيًا، بل لأنه كان مستعجلًا، كان يريد أن يحكم على بلد كامل قبل أن يتعلم كيف يطلب خبزًا بلغته
والإنسان يفعل هذا كثيرًا.
نحكم على البشر قبل أن نعرف قصصهم، وعلى المدن قبل أن نمشي في أزقتها، وعلى الشعوب قبل أن نفهم لغتها
ثم تمضي السنوات وتكتشف أن المشكلة لم تكن دائمًا في العالم، أحيانًا كانت في النظارة التي نرتديها ونحن ننظر إليه
اليوم أستطيع أن أقولها دون محاولة لأن أكون دبلوماسيًا .. أحب ميونخ، أحبها أكثر مما كنت أتخيل أنني سأحب مدينة لم أولد فيها
ولا أريد أن أنافق نفسي وأردد أن الإنسان لا يستطيع أن يحب إلا المكان الذي وُلد فيه، القلب، لحسن الحظ، لم يقرأ قوانين الجغرافيا
قد تولد في مدينة، وقد تنتمي إلى أخرى، وقد تحمل وطنك الأول في ذاكرتك، ثم تجد وطنًا آخر علّمك كيف تعيش
وأحيانًا لا تختار المدينة التي تحبها.
تعيش فيها سنوات، تلعن بردها، وتشتم لغتها، وتتذمر من قطاراتها وضرائبها وموظفيها… ثم تستيقظ ذات صباح لتكتشف الكارثة .. لقد وقعت في حبها
ربما لهذا أحب ميونخ بهذا الشكل، لأنها لم تعد مدينة بالنسبة لي، بل أصبحت شيئًا يشبه الحبيبة القديمة… أعرف عيوبها، أحفظ تقلباتها، أشتكي منها كثيرًا، ثم أشتاق إليها بمجرد أن أبتعد
Adam- Hello Munich


0 التعليقات