![]() |
| صخر المهيف..كاتب مغربي |
قصة قصيرة:
الأب:
كنت مسرورا جدا وأنا عائد إلى ميونيخ، رائحة الوطن لم تبرحني وغصة الفراق داهمتني دون استئذان مني، ودعت أفراد عائلتي بحزن بالغ المرارة لم يحد منه غير شعوري بالفخر اتجاه أبنائي الثلاثة وقد قر عزمي على العودة إلى ميونيخ برفقتهم كدأبي دائما، وقبل الانطلاق بيومين، فاجأني بكري وهو يسلمني مفاتيح السيارة بقوله:
نحن مضطرون إلى البقاء في البيضاء ثلاثة أيام أخرى...
واستغربت الأمر في البداية لكنه بادرني بالقول دون أن يدع لي مجالا للسؤال:
أسعى إلى شراء عقار شِرْكة مع شقيقيَّ...
راودني شعور غامر بالسعادة والفخرثم دعوت لهم بالتوفيق، لما جاء ابني البكر إلى الوجود قبل ثلاثين سنة، قلت لجاري الألماني هانز:
أخيرا صرت أبا...
فرد علي بلا اكتراث:
ستظل أبا طوال حياتك...
غادر المركب ميناء طنجة، كلما اقترب من ميناء الجزيرة الخضراء كلما زاد وخز الحنين وصارت دقات القلب تطرق البدن بشدة... وجدتني أسافر وحيدا إلى ميونيخ لأول مرة في حياتي حتى ظننتني أغترب لأول مرة لكن الفخر بما أقدم عليه ابنائي جعلت الطريق إلى ميونيخ سهلة وممتعة على أي حال وقد زادت مكالماتهم الهاتفية من سروري أثناء السياقة، وصلت ميونيخ بعد يومين، كانت تباشير الخريف مبكرة وكان الليل قد اجتاح المدينة بجحافله، ركنت السيارة في مرآب البيت ولم أنس طمأنة أبنائي على الوصول سالما، قلت لبكري قبل أن أغلق السماعة:
كم أتمنى رؤية حفيد لي قبل موتي...
عدت إلى السيارة لحمل حقيبة الأوراق التي تركتها على المقعد فلاحظت أن مسنده به فتق صغير، ضغطته برفق فاتسع قليلا، انتشرت رائحة قوية، زاد فضولي، دسست أناملي، فزعت فزعا شديدا واجتاحني زلزال قوي، سارعت إلى الاتصال بمفوضية الشرطة... نظر إلي الضابط مستغربا ثم تمتم قائلا:
هل تعترف بأن هذه المخدرات لك؟
ليست لي
لكنك حملتها من المغرب
أجل
وإذن؟
لو كانت لي ما طلبتكم
رد علي الضابط بحزم:
أنت تهين رجال الشرطة بكلامك هذا، بإمكانك التزام الصمت وطلب محام...
لا داع...
من أصحابها؟
أخذت منه الإذن باستعمال الهاتف فوافق ثم التفت إليه قائلا:
سيحلون غدا بمطار برلين على الساعة التاسعة ليلا...
طيب، سنأخذ الإذن من النيابة العامة لإخضاع هواتفهم للمراقبة وعرضها على الخبرة التقنية.
وقبل أن أغادر مقر المفوضية، شيعني الضابط بأسف شديد بعد أن وقعت على المحضر وهو يقول بصوت غلب عليه التأثر:
أنا حزين من أجلك... شكرا لك على مساعدتك
حبست الكلام في حلقي دون أن أقذف به، منعت دموعي من الانهمار، وما أن وضعت قدمي خارج المبنى حتى داهمني هواء ثقيل جدا، اعتقلت أنفاسي في أعماقي، قدماي لم تحملتني إلى أي مكان، باغتتني سيارة قادمة في اتجاهي ثم توقفت على بعد متر مني، فوجئت بهانز يغادر السيارة مهرولا إلي، وضع كفيه على كتفي وهو يصرخ:
ما الذي حل بك يا صديقي؟
رفعت رأسي نحوه دون أن أقول شيئا، استسلمت لدموعي، فقال لي وهو يلح علي:
لن أنسى جميلك ما حييت، أخبرني، لماذا أنت هنا؟
حررت الكلمات من أصفادها وقلت له:
لم أعد أبا يا هانز...
طنجة في : ماي 2026


0 التعليقات