الجمعة، 6 يونيو 2014

وفاء صندي:ملك وشعب ودولة

وفاء صندي


صورة شبه نادرة، في عالمنا العربي بالخصوص، ان يظهر ملك او رئيس دولة بزي عادي (كاجوال) وبدون حراسة مشددة وسط الناس في الشوارع والاسواق، يتجول ويتبادل اطراف الحديث، ويأخذ معه المارة صورا تذكارية، ربما تذكره بالبؤس المرسوم على ملامحهم رغم دهشة اللحظة، وربما تذكرهم ايضا بأن الحكام ايضا اناس عاديون يمشون على نفس الارض ويستنشقون نفس الهواء ولما لا يتقاسمون مع شعوبهم نفس الحلم وربما نفس الهم.
بهذه الصورة الانسانية الاستثنائية، يظهر العاهل المغربي في اكثر من دولة قام فيها بزيارات رسمية او خاصة حيث يبدو اكثر تحررا من كل البروتوكولات، واكثر تواضعا وتواصلا مع الجميع دون قيود ولا خوف طالما كان لصيقا بكل من وصل الى السلطة او اقترب منها. وهو الملك الذي عمل، منذ وصوله الى حكم المملكة قبل 15 سنة، على بناء المغرب الحديث، واسس لعلاقة جديدة بين الملك وشعبه اساسها القرب، حيث وصف بملك الفقراء، وملك الشعب. وهو الذي قرر الاقتران ايضا ببنت الشعب وسط احتفالية شاركه فيها كل المغاربة، ليفتح بذلك صفحة جديدة بين المؤسسة الملكية والشعب المغربي، وهي صفحة مصالحة مبنية على المحبة والثقة، وخصوصا بعد تشكيل هيئة الانصاف والمصالحة والتي اعتبرت محطة هامة في تصالح المغرب مع تاريخه النضالي.
ولعل هذه الصفحة الجديدة والعلاقة المتميزة، بالإضافة بدون شك الى هذا التاريخ من النضال الذي حقق فيه الشعب المغربي مجموعة من المكتسبات بخصوص دمقرطة الدولة والمجتمع، هي التي جنبت المغرب موجة الثورات التي اجتاحت المنطقة العربية، ففي الوقت الذي كانت الشعوب تطالب باسقاط الانظمة، كان متظاهرو المغرب يطالبون فقط بإسقاط الفساد، لتتجلى مرة اخرى استثنائية المملكة المغربية في تعاطي ملكها مع الاحداث حيث بادر بخطوات استباقية تجلت في خطاب 9 مارس 2011 التاريخي الذي حدد فيه جلالته خارطة طريق مغرب المستقبل، حيث ثم اجراء اصلاحات دستورية، تنازل فيها الملك على مجموعة من صلاحياته لصالح رئيس الحكومة، وانتخابات برلمانية سابقة لأوانها.. لتطوى صفحة الثورة المصطنعة في المغرب بكل سلمية وذكاء من ادراة المؤسسة الملكية لاحتواء فوضى هذه الثورات، الأمر الذي اعطى درسا سياسيا ليجعل من المغرب حالة خاصة وسط المنطقة العربية، وأكد صورة اخرى للملك بأنه صمام الامان وراعي الاستقرار في المملكة.
ولأن هناك دائما هواجس مخاطر تلاحق ملوك واغلب رؤساء العالم تحول دون تقاربهم مع شعوبهم، فضلا عن خوض المحادثات الودية والاحتواء والتواجد مع الناس بالشارع بعيدا عن البروتوكلات والحرس، الامر الذي يصنع فجوة بين صاحب السلطة وبين الشعب، نجد النقيض فيما يفعله العاهل المغربي الذي يعمل على التقرب من شعبه. فليس غريبا عندما تكون بالشارع المغربي وتجد السيارة التي بجانبك يقودها الملك بنفسه دون حراسة، او يستمع الى شكاوى الناس واحتياجاتهم في المدن والقرى التي يقوم فيها بزيارت متكررة، ويأمر بالقيام بالواجب بشأنها، ويمنح الهبات والمأذونيات.. ولم يقتصر هذا التواصل على الشعب المغربي فقط، بل كانت هذه شجاعة الملك وعادته في كل سفرياته الى افريقيا او اوروبا وامريكا، ولعل زيارة تونس الاخيرة وتجوله بشوارعها وأسواقها والتقاط الصور بينه وبين اشقائنا التوانسة خير دليل.
الملك اليوم يقود قاطرة المغاربة نحو تنمية البلاد، ويلعب ايضا دورا رياديا في القارة السمراء. فهو الذي يدشن للمشاريع الاقتصادية الكبرى، وهو الذي يؤسس لعلاقات خارجية وعلاقات جنوب جنوب متميزة، وهو الذي يتدخل لحل كل العثرات الديبلوماسية، في قضية الصحراء بالخصوص، في الوقت الذي تخوض فيه الحكومة معاركها الصغيرة، التي تخفي من خلالها فشلها الكبير، مع المعارضة والاعلام والاحزاب وصولا الى الشعب، او ما يسميهم رئيسها بالعفاريت والتماسيح. وهكذا فمحمد السادس يؤسس نوعا من سياسة الملك المسؤول الذي يقتسم الحكم بالعدل والحرية، يدير دون التدخل في قرارات حكومته، التي وفقا للدستور تتمتع بالكثير من الصلاحيات التي يجب فقط ان تتعلم كيف تستعملها، ويراعي التوازنات بين كافة القوى السياسية، ويسهر على الحفاظ على استقرار الوطن.
وعلى صعيد اتساع رؤية الإدارة وصناعة التواجد الفعال للمغرب بين دول الجوار والعمق الافريقي فقد اعتمد العاهل المغربي ايضا على سياسة القرب والمسؤولية تجاه إفريقيا، مقابل برغماتية قادة افريقيا الجدد الذين يشكلون داعما سياسيا كبيرا للمغرب خاصة في مقترح الحكم الذاتي. مما جعل المغرب في السنوات الاخيرة قريبا من هموم الأفارقة وتطلعاتهم، وملتزما ومتضامنا من أجل استقرار القارة وأمنها وسلامتها وتحقيق التنمية فيها. وبالاضافة الى سياسة القرب داخليا وافريقيا، المؤسسة الملكية في المغرب حاليا تراهن على الدبلوماسية الدينية في مواجهة التطرف وخاصة المرتبط بالجماعات الارهابية والمتشددة مثل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. وفي هذا الاتجاه بدا الملك محمد السادس في كل جولاته وفي سياساته الافريقية كمدافع عن الإسلام السني في وجه الحركات السلفية والشيعية في القارة وخاصة في غرب افريقيا، واتذكر هنا التوتر الذي اندلع مع موريتانيا على خلفية تساهل نواكشوط مع سياسة إيران الشيعية في هذا البلد، وعدم تردد المغرب في قطع العلاقات مع طهران بعدما رصد محاولتها نشر التشيع في المغرب. وايضا رهان المغرب على تكوين 500 من الأئمة الماليين وتأطيرهم على الاراضي المغربية حتى يكونوا سفراء المغرب في بلادهم لنقل صورة الاسلام الحضاري كما يراه المغرب والحفاظ على المذهب السني المالكي في مالي.
وفي نفس السياق يؤسس المغرب بجهود الملك لبناء نظام مغاربي جديد حيث شكلت زيارته الاخيرة لتونس وخطابه الذي ألقاه امام الجمعية التأسيسية لحظة تاريخية وخارطة سياسية ربط فيها من جهة بناء الاتحاد بقضية الاصلاح والدمقرطة باعتبارها خيار إستراتيجي لا يمكن التراجع عنه، واعتبر من جهة اخرى أن الاندماج والوحدة المغاربية ليست ترفا سياسيا بل ضرورة حتمية لتحقيق التنمية وتلبية مطامح الشباب المغاربي التواق الى الوحدة، وهي الوحدة التي تشكل صمام الامان امام تحديات الإرهاب التي تهدد المنطقة بما فيها البلدان المغاربية، مما يلقي بالمسؤولية اكبر امام الشقيقة الجزائر التي يجب ان تتخلى عن مزاعمها، وتفكر اكثر في مستقبل المنطقة والخطر الذي يحدق بها من الداخل ومن الخارج.
وكلمة أخيرة أقولها بموضوعية، إن الحاكم في اي مكان، كما المؤسسة الملكية في المغرب بالتأكيد لها عيوبها ومساوؤها وهناك انتقادات كثيرة تلاحقها، لكن تجربة محمد السادس خلال 15 سنة حكما اثبتت حكمة هذا الملك وذكاءه في قيادة البلاد وتجنيبها العديد من الازمات، وهو ذكاء استطاع من خلاله تقديم نموذج جديد لصورة الحاكم في المنطقة العربية، وهو الحاكم المحبوب والقريب من نبض الشعب الذي تربطه به علاقة ثقة وفخر، وهي الثقة المفقودة في الخارج والتي تكلف جل الانظمة جزءا كبيرا من ميزانية الدولة تخصص فقط لتقوية جهازها الامني. وهي ايضا الحكمة التي نفتقدها اليوم في منطقتنا من اجل اخراجها مما تمر به من حروب وعنف وفوضى.
  • تعليقات بلوجر
  • تعليقات الفيس بوك
التعليقات
0 التعليقات
Item Reviewed: وفاء صندي:ملك وشعب ودولة Rating: 5 Reviewed By: جريدة من المغرب. smailtahiri9@gmail.com
Scroll to Top