الأحد، 14 ديسمبر 2025

ما الذي يجعل إنسانا يهدم ملعبا من أجل عشرين دقيقة؟ الجواب في الفقر، في الفراغ، في الصورة، في الخديعة. وليس في ميسي.


#في الهند اقيمت مباراة استعراضية، وتم تشييد تمثال للنجم العالمي ليونيل ميسي ،  و جمهور دفع ما لا يقل عن مائة  دولار للفرد الواحد ليشاهده عن قرب . بعدها  ظهر عشرين دقيقة فقط بين حراسة مشددة ، ثم غادر الملعب دون أن يلوّح، دون أن يراه احد عن قرب ، دون أن يترك للجماهير غير دخان الحنين وذلّ الانتظار...  

بعدها وحينما اجتمعت كل هذه العوامل ، بدأ الانفجار. تكسّرت الكراسي، اقتُلعت الحواجز، امتلأت الأرض بفتات الغضب ، وامّحت الفواصل بين الإنسان والجموع. الملعب، الذي شُيّد من أجل الفرجة، تحوّل إلى مسرح لاندفاع جماهيري لا يمكن تبريره، لكنه لا يمكن أيضا عزله عن جذوره...


حين تفقد الشعوب القدرة على الفهم، حين يصبح الخيال بديلا عن الوعي، حين تختلط المشاعر بالوظائف العضوية، يتحوّل الجوع العاطفي إلى هوس، ويتحول الغضب إلى احتفال عدمي. هذا ليس عن الهند وحدها، بل عن تركيبة نفسية هشّة تتكرر حيثما اجتمعت الحاجة، والفراغ، والضجيج...

في المشهد، لا يتعلق الأمر بلاعب خرج مبكرا، بل بجمهور لم يُمنح يوما أدوات الحزن، فعوّضه بالهدم. عبارة نيتشه القديمة تعود هنا بثقلها الميتافيزيقي: "من لم يتعلم ان يحزن بعمق، سيغضب بغباء". هذا الغباء ليس نقصا في الذكاء، بل غيابا في التربية العاطفية، في تكوين الحس الجمالي، في ترويض الشعور العميق تجاه الفقد والانفلات والخذلان...


ما حدث ليس طارئا. هو سلوك نمطي في سياقات اجتماعية تتألف من تراكم الفقر، وفراغ الخيال، وتضخيم الرموز. الجمهور لم يغضب لأن ميسي غادر دون أن يراه عن قرب فحسب ، بل لأنه اكتشف في لحظة باردة أن ما ظنه معجزة كان وهما. لحظة سقوط الرمز من الخيال أشد عنفا من أي خيانة واقعية...

محمد اركون وصف هذا النوع من السلوك بأنه "تفريغ عدمي لرغبات محرومة". الجماهير في مجتمعات غير عادلة لا تتنفس بالأمل، بل بالحلم المزيّف. الأحلام التي لم تُبنَ على تعليم ولا وعي ولا فلسفة حياة، تتحول عند أول خيبة إلى رغبة في التدمير. تكسير الكراسي، العبث بالبنية، ليس احتجاجا، بل تعبير فطري عن عجز وجودي، عن انكسار داخلي لم يعرف اسما ولا معنى...


في علم النفس الجماهيري، كما صاغه فرويد، الجماعة تفقد البوصلة الفردية، وتتماهى مع انفعال جمعي يصبح فيه أي استفزاز بسيطا كافيا لاشتعال الغضب. حينها، لا أحد يتساءل، لا أحد يعقل، بل تتحول الجموع إلى جسد واحد يبحث عن الخلاص في الفوضى...

لكن المسألة أعمق. إننا أمام حالة من الانثروبوسنتيرية الزائفة، حيث يقنع الإنسان الفقير عقله الباطن أنه محور الكون، ثم يصطدم بأن رموزه لا تهتم به. حين تكتشف الجموع أنها غير مرئية في عين من قدّسته، تنكسر المرآة، وتبدأ حمى الانتقام من كل ما يحيط...

المفارقة في أن ميسي لم يطلب التقديس، لكن الإعلام طلبه بالنيابة عنه. العقل الغربي يصنع من العلماء رموزا داخلية، ويصدر للآخرين لاعبي الكرة. إنها صناعة الوعي الاستهلاكي، حيث يباع الحلم جاهزا، ملفوفا باسم لاعب، مغلفا بصورة، مدفوعا بثمن. والجهل، حين يشتري الحلم، لا يعرف كيف يحزنه حين يسقط...


الروائي ميلان كونديرا كان يكتب دائما عن سطوة التكرار، عن كيف تتحول اللقطة إلى قدر، والمبالغة إلى جريمة ناعمة. في عالم كهذا، لا يُفهم ميسي كلحم ودم، بل كرمز يستحق أكثر من اللازم، وحين لا يمنح ما توقعت منه الجماهير، ينهار كل شيء...

ما حدث في الهند صورة مصغرة لما يحدث في مجتمعات تُربى على التقديس لا النقد، على الانفعال لا التروي، على الاستهلاك لا الإنتاج. الكارثة ليست في اللاعب، بل في بنية الوعي التي جعلت من احتفال كروي سببا في تشقق البنية الاجتماعية المؤقتة.

الحدث أكبر من الكرة. هو دعوة لتأمل أي صورة نضعها على جدران عقولنا، لأي شخص، لأي رمز، لأي نجم. لأن الرموز التي نصنعها تحت وطأة الجهل، تموت فينا لا بهم. والجماهير التي تعيش عبر الآخرين، لا تعرف كيف تعيش حين يغيبون....

وفي النهاية، لا شيء يبرر العنف، ولا شيء يبرر تبريره. لكننا نحتاج أن نفهم: ما الذي يجعل إنسانا يهدم ملعبا من أجل عشرين دقيقة؟ الجواب في الفقر، في الفراغ، في الصورة، في الخديعة.  

وليس في ميسي.

عن سعيد حجي

  • تعليقات بلوجر
  • تعليقات الفيس بوك
التعليقات
0 التعليقات
Item Reviewed: ما الذي يجعل إنسانا يهدم ملعبا من أجل عشرين دقيقة؟ الجواب في الفقر، في الفراغ، في الصورة، في الخديعة. وليس في ميسي. Rating: 5 Reviewed By: جريدة من المغرب. smailtahiri9@gmail.com
Scroll to Top