*كلمات*
.. في سياسة العبث
──────────────
*منجب .. الأورديناتور والملك !*
أحمد ويحمان ×
لم يعد المرء يدري، في مغرب اليوم، أيهما يحكم في النهاية: المؤسسات والقوانين والقرارات السيادية للدولة، أم ذلك "الأورديناتور" الغامض الذي صار، فيما يبدو، أعلى سلطة من الجميع !
بعد زوال يوم أمس الخميس 4 يونيو الجاري، حلّ الدكتور المعطي منجب بمطار الرباط ـ سلا متوجها إلى باريس، للمشاركة في ندوة أكاديمية ينظمها "مركز كوندورسي" حول الذكرى السبعين لاستقلال المغرب. كانت الدعوة رسمية، والوثائق سليمة، والرجل لم يرتكب سوى أنه لبّى دعوة فكرية للمشاركة في نقاش أكاديمي.
لكن، وكما حدث مرارا خلال السنوات الماضية، أُبلغ بأنه ممنوع من السفر.
سأل الرجل، وهو من حقه أن يسأل: من يمنعني؟
هل هناك قرار قضائي؟
هل هناك مقرر إداري؟
هل هناك وثيقة مكتوبة يمكنني الاطلاع عليها والاستفادة من حقي في التقاضي بالطعن فيها، في إطار الشروط الدنيا للمحاكمة العادلة، التي هي حق كل مواطن ؟
فجاءه الجواب الذي يصلح عنوانا لمرحلة كاملة :
"C'est écrit dans l'ordinateur !"
*إنه مكتوب في الحاسوب !*
لا جهة معلومة.
لا مسؤول معلوم.
لا قرار معلوم.
لا توقيع.
لا ختم.
لا وثيقة.
فقط... الأورديناتور !
ولأن الدكتور المعطي منجب مؤرخ، فقد كان من حقه أن يتساءل : هل نحن في دولة المؤسسات أم في دولة الأوامر الرقمية المجهولة المصدر ؟ وهل أصبح الحاسوب سلطة فوق القانون والقضاء والإدارة والدستور والدولة .. ورئيس الدولة .. الملك ؟
لقد احتج الرجل داخل المطار لأزيد من نصف ساعة مطالبا فقط بشيء بسيط : نسخة من قرار المنع أو معرفة الجهة التي أصدرته.
لكن حتى هذا الحق البديهي تم رفضه.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية.
فالقضية لم تعد قضية منع من السفر فقط.
بل قضية معرفة من يحكم فعليا.
ذلك أن الدكتور المعطي منجب ليس شخصا طارئا في هذا الملف.
الرجل سبق أن شمله العفو الملكي.
والعفو من البرلمان أو من رئاسة الدولة، في كل الدول، ليس رسالة شخصية ولا مجاملة اجتماعية، بل قرار سيادي يصدر باسم الدولة وعلى أعلى مستوى فيها..
ومع كل ذلك تستمر المضايقات.
يستمر المنع من السفر.
تستمر العراقيل.
تستمر العقوبات غير المعلنة.
ويستمر التعامل معه كما لو أن شيئا لم يقع.
وهنا يحق للمواطن البسيط، قبل الحقوقيين والسياسيين، أن يطرح السؤال :
إذا كان العفو الملكي لا يضع حدا لهذا المسلسل، فمن هي الجهة التي تملك سلطة أقوى من سلطة العفو ؟
ومن هي الجهة التي تملك حق تعطيل آثاره عمليا ؟
وهل نحن أمام اختلال إداري عابر أم أمام ما هو أخطر من ذلك؟
هنا تحديدا تستحضر الذاكرة كلام صديق للملك، والناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي، الدكتور حسن أوريد، حين تحدث عن وجود "مافيات موازية فوق دولتية تأمر وتطاع".
يومها اعتبر البعض الكلام مبالغة.
لكن ماذا يمكن أن نسمي اليوم وضعا يصدر فيه عفو من أعلى سلطة في الدولة، ثم تستمر جهات مجهولة في فرض العقوبات والمنع والحصار؟
أليس هذا بالضبط ما قصده أوريد؟
أليست هذه هي صورة السلطة الموازية حين تصبح القرارات الفعلية في مكان آخر غير المكان الذي يفترض أن تصدر منه ؟
ثم إن للمسألة بعدا آخر لا يقل خطورة.
فالمغرب يعيش اليوم مرحلة تقديم نفسه للعالم باعتباره نموذجا للاستقرار والإصلاح والانفتاح.
نحن على أبواب استحقاقات انتخابية جديدة.
ونحن في خضم التحضير لاحتضان كأس العالم.
والخطاب الرسمي لا يتوقف عن الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكامة الجيدة.
لكن العالم لا يقرأ البلاغات الرسمية فقط.
العالم يقرأ الوقائع أيضا.. وخصوصاً.
ويقرأ صورة أستاذ جامعي سبعيني، مريض بالسكري والقلب والضغط، يُمنع من السفر دون قرار مكتوب.
ويقرأ صورة رجل شمله العفو الملكي لكنه ما يزال محاصرا.
ويقرأ صورة دولة تقول شيئا بينما تمارس بعض أجهزتها شيئا آخر.
*آخر الكلام*
إن قضية الدكتور المعطي منجب تحولت منذ سنوات إلى امتحان حقيقي للإرادة السياسية.
امتحان لمعرفة ما إذا كانت دولة المؤسسات هي التي تنتصر في النهاية، أم دولة "الأورديناتور".
وامتحان لمعرفة ما إذا كانت القرارات السيادية تُنفذ فعلا، أم أنها تصبح مجرد حبر على ورق حين تصطدم بمراكز نفوذ لا يعرف أحد حدود سلطتها.
أما الدكتور المعطي منجب، فسيظل يسأل السؤال نفسه.
وسيبقى المغاربة يرددون معه السؤال ذاته:
من يمنع الرجل من السفر؟
ومن الذي يملك السلطة الحقيقية؟
الملك...
أم الأورديناتور؟!
هذا وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك !
---------------------------
× ناشط حقوقي ، باحث في علم الاجتماع السياسي


0 التعليقات