أعلن الرئيس الأمريكي ترامب، يوم 9 من أكتوبر عن التوصل إلى اتفاق بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية لتنفيذ المرحلة الأولى من خطته للسلام في قطاع غزة،التي تتألف من 20 بندا،بعد مفاوضات غير مباشرة استضافتها القاهرة بمشاركة وسطاء من قطر وتركيا ومصر.
وبحسب الوسطاء، فإن الطرفين وافقا على جميع بنود وآليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار،بما يشمل وقف العمليات العسكرية،والإفراج المتبادل عن المحتجزين والأسرى، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
جاء هذا التطور أسرع من التقديرات الأولية، إذ كانت معظم التوقعات تشير إلى أن الطريق أمام المفاوضات لا يزال طويلا وشاقا،بالنظر إلى عمق الفجوات الاستراتيجية التي تمس جوهر الرؤية الأمريكية وطبيعة المطالب الفلسطينية، ولا سيما تلك التي تتعلق بمستقبل الحكم في غزة وسلاح المقاومة.
وقد ركزت المقاومة في ردها على مبادرة ترامب على المرحلة الأولى فقط من الخطة، معتبرة أن الملفات الكبرى،مثل مستقبل القطاع وترتيبات ما بعد الحرب،هي قضايا وطنية يجب أن تخضع لحوار فلسطيني شامل.
وقد تم تثبيت هذا المبدأ،حيث اتفق على إنجاز مرحلة تبادل الأسرى والانسحاب الجزئي بضمانات أمريكية وعربية تضمن استمرار وقف إطلاق النار وعدم العودة إلى التصعيد.
تتضمن المرحلة الأولى من الاتفاق تسليم 20 أسيرا مما تبقى من الصهاينة أحياء دفعة واحدة،على أن تُستكمل لاحقا عملية تبادل الجثامين تدريجيا بالتوازي مع مراحل الانسحاب الصهيوني من مناطق القطاع إلى الخط الأصفر المتفق عليه في الخرائط..
ووفق الترتيبات الزمنية المتفق عليها، سيتم تنفيذ تسليم الأسرى الأحياء بعد 72 ساعة من بدء سريان وقف إطلاق النار،بينما سيتم تسليم الجثامين بعد انسحاب قوات الاحتلال من الأحياء السكنية ومراكز المدن.
في المقابل، سيقوم الكيان الصهيوني بإطلاق سراح 1950 أسير فلسطيني، بينهم 250 محكومين بالسجن المؤبد، و1700 أسيرا من غزة اعتقلوا خلال الحرب،ومقابل كل جثة صهيوني 15جثة فلسطينية..
كما ينص الاتفاق على إدخال 400 شاحنة مساعدات يوميا كحد أدنى خلال الأيام الخمسة الأولى بعد وقف إطلاق النار، على أن ترفع الكمية تدريجيا وفقا للوضع الميداني والاحتياجات الطارئة في القطاع.
وتضمن الاتفاق أيضا عودة النازحين من جنوب القطاع إلى مدينة غزة وشمالها فور بدء التنفيذ،وهو بند جوهري باعتباره خطوة رمزية نحو استعادة دورة الحياة في المناطق المنكوبة.
ورغم هذا التقدم المعلن،تظل بعض تفاصيل المرحلة الأولى عالقة حتى اللحظة، أبرزها قوائم الأسرى الذين سيطلق الصهاينة سراحهم، وآليات فتح المعابر،وبشكل خاص معبر رفح.
ويبدو أن الفترة الفاصلة بين إعلان الاتفاق وبداية تنفيذه تبقى شديدة الحساسية،وقابلة للانهيار في حال تعثر الترتيبات اللوجستية والسياسية،ما يجعل الساعات المقبلة اختبارا حاسما لجدّية الأطراف في الالتزام بالاتفاق.
في كواليس قبل الحسم شهدت الساعات الأخيرة توافد وفود رفيعة المستوى من مصر وقطر وتركيا وأمريكا في محاولة لتذليل ما تبقى من العقبات أمام صياغة الاتفاق النهائي،حملت طابع الحسم بعد 3 أيام من التفاوض الشاق..
فقد عُقدت جلسة موسعة ضمت كلا من رئيس المخابرات المصرية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري ورئيس جهاز الاستخبارات التركي ، والمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
خصصت جلسة مع رئيس الوفد الصهيوني المفاوض،
وأخرى مع رئيس وفد المقاومة والتي تعززت بحضور ممثلين عن قيادة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية
..وشكل هذا الاجتماع ذروة التفاعل بين الأطراف
المعنية،مع توافق غير معلن على ضرورة تثبيت مسار التهدئة قبل انهياره بفعل تصاعد العمليات الميدانية في مدينة غزة شمال القطاع.
مشاركة الجهاد والجبهة في المباحثات، هي خطوة اعتُبرت مؤشرا على رغبة المقاومة الفلسطينية بمختلف أطيافها في منح الجهود السياسية فرصة حقيقية لوقف الإبادة المستمرة في غزة.ومع ذلك، لم يكن حضور هذه الوفود بروتوكوليا أو رمزيا، بل حمل بعدا عمليا في دفع حماس نحو اعتماد صيغة توافقية تُبقي على ثوابت المقاومة من جهة،وتفتح الباب أمام انفراجة إنسانية عاجلة من جهة أخرى.
لكن خلف المشهد الدبلوماسي المعلن، تركزت الضغوط الكبرى على المقاومة، في ظل تمسك الوفد الصهيوني بالنصوص التي تضمنها العرض الأمريكي الأصلي.
فقد قدمت المقاومة ملاحظات جوهرية على خطط الانسحاب وأسماء الأسرى المقترحين للإفراج، مشددة على ضرورة أن يشمل أي اتفاق تفكيك مفاعيل العدوان القائم على الأرض،وضمان انسحاب جيش الاحتلال من مراكز المدن والمناطق المأهولة بما يتيح للنازحين العودة إلى ديارهم.
وفقا لخارطة ترامب، كان من المفترض أن يحتفظ الاحتلال الصهيوني بوجوده على نحو 60% من مساحة القطاع،وهو ما رفضته المقاومة الفلسطينية رفضا قاطعا،وبعد جولات طويلة من الشد والجذب،جرى التوصل إلى مقاربة معدلة تنص على إعادة انتشار قوات الصهاينة على ما يقارب 53% ثم الى 40% من مساحة القطاع،على أن تكون هذه المناطق خارج الكتل السكانية الكبرى قدر الإمكان،مع استثناء مدينة رفح التي بقيت خاضعة لتفاوض مستقبلي.
ورغم أن المقترح لم يلبِ الطموحات الفلسطينية بالكامل، فقد وافقت المقاومة على الصيغة المعدلة تحت وعود وضمانات رسمية من الوسطاء بأن الانسحاب سيتوسع تدريجيا خلال الفترة المقبلة، بما يضمن إخلاء المناطق المأهولة وتهيئة بيئة مستقرة لعودة المدنيين.
وصاحب ذلك ضغط أمريكي بلغ ذروته في الساعات الأخيرة، مصحوبا بتهديد مباشر بأن الاستمرار في التفاوض حول التعديلات قد يؤدي إلى انهيار المسار المطروح بأكمله وعودة العمليات العسكرية بزخم أكبر.
وفي المقابل، لعبت مواقف الفصائل المشاركة الجبهة الشعبية وحركة الجهاد دورا محوريا في ترجيح كفة المرونة، عبر تأكيدها على أولوية وقف الإبادة ورفع المعاناة الإنسانية كمدخل لتثبيت أي اتفاق سياسي لاحق، وهو ما ساعد في تليين الموقف داخل وفد حماس وإقرار الصيغة النهائية للمرحلة الأولى..
لقد اختارت المقاومة في ترتيب الأولويات الأصول الاستراتيجية كأساس،فالمتتبع لمواقف المقاومة كان يتوقع رفضا شبه تام للنصوص المطروحة في مبادرة ترامب لو كان السياق مختلفا.
لكن الواقع الميداني والسياسي في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية بشكل عام، أجبر على إعادة حساب المعادلات، فبرزت موازين قوى جديدة أثرت في خيار فصائل المقاومة.
انطلقت قراءة المقاومة من اعتبار أن الخطر الاستراتيجي الأهم يظل مرتبطا بـحرب الإبادة المستمرة منذ عامين،
وبنية الاحتلال الجدية لتهجير الشعب الفلسطيني في غزة وإضعاف الكتلة السكانية التي شكلت على الدوام عنوانا للصمود والمقاومة،من هنا،كانت أولوية الرد تتجه نحو وقف التطهير العرقي الذي يهدد وجودا كاملا، وليس نحو مناقشة ترتيبات ما بعد الحرب في هذه المرحلة.
على ضفاف هذا الخطر، تتراكم أيضا مكاسب دبلوماسية واستراتيجية لصالح الفلسطينيين وإن كانت طفيفة نسبيا في مقابل الخسائر البشرية الهائلة،أبرزها تزايد التعاطف الدولي وتحوّل ميزان التأييد نحو الحقوق الفلسطينية بشكل لافت.لكن المقاومة ترى أن أي مكسب دولي أو سياسي مؤقت لن يكتسب قيمة حقيقية ما دامت عملية الإبادة مستمرة،أو ما دام خطر التهجير والضم والاستيطان وبقاء احتلال عسكري طويل الأمد قائما على الأرض.
بالتالي،حملت استراتيجية المقاومة أولوية الحفاظ على الأصول الاستراتيجية: الأرض في غزة، وثبات الشعب على أرضه، والقدرة على استعادة وتراكم المكاسب لاحقا، عبر عملية إزالة آثار العدوان وبناء مقومات نهوض وصمود جديدة.
ومن هذا المنطلق تجلى سبب المرونة التي أبدتها فصائل المقاومة: القبول بخيارات مؤلمة في الظاهر إذا كانت تلك الخطوات تشكل مدخلا عمليا لوقف فوري وملموس للإبادة وتمكين العودة والتمركز المدني.
وقد ترجم ذلك نفسه عمليا في استعداد المقاومة لتقديم تنازلات جوهرية في بند تبادل الأسرى، مقابل ضمانات واضحة وملموسة بوقف الحرب ومنع أي استئناف مفاجئ للعملية العسكرية بعد الإفراج عن الأسرى خصوصا الأحياء.
لم تكن هذه المرونة نتاج موقف عابر،بل نتاج تقييم استراتيجي صارم قائم على المقايضة بين مكسب إنساني وسياسي فوري ،وقف القتل والتهجير وعودة السكان، ومخاطر سياسية يمكن احتواؤها لاحقا عبر منجزات دبلوماسية وميدانية متتابعة.
أما المرحلة الثانية التي لم يحد بعد جدول زمني لبدئها فهي تحمل مخاطر كثيرة على الطريق،فلا يمكن الجزم بأن الاتفاق المعلن قد نجح فعليا في تجنيب الشعب الفلسطيني مخاطر الإبادة أو في إزالة جميع التهديدات الاستراتيجية التي صاغها التحالف الصهيوأمريكي ضمن رؤيته لحسم الصراع مع الفلسطينيين.
ومع ذلك،فإن مجرد الوصول إلى تفاهم مستقر نسبيا يُعد خطوة فارقة، إذ يوجه ضربة إلى خطة التهجير الواسعة، ويضع حدا لمحاولات تاجر الأراضي ابتلاع أراضي القطاع او ضمن مخططات الضم والاستيطان،ويمنح غزة فرصة لتفادي خسائر وجودية لا يمكن تعويضها،رغم الكلفة الإنسانية الباهظة التي تكبدها القطاع خلال عامين من الحرب.
لكن الشق الجوهري من الاتفاق لا يزال مؤجلا، بعد أن اختارت المقاومة، في مناورة سياسية محسوبة، ترحيل القضايا الاستراتيجية الكبرى إلى مرحلة لاحقة، أبرزها مستقبل الحكم في القطاع،وشكل النظام السياسي الفلسطيني،ومستقبل سلاح المقاومة.
فمن الناحية العملية، أبقى الاحتلال الصهيوني على وجود عسكري فعلي في مساحات واسعة من القطاع،الأمر الذي يثير شكوكا حول نواياه بالانسحاب الكامل،رغم الضمانات الأمريكية والعربية،والتي تبقى فضفاض على أرض الواقع كما جرى في اتفاق يناير الماضي...
ويبدو أن الكيان يربط هذا الانسحاب بتحقيق اشتراطات سياسية وأمنية محددة،وعلى رأسها ترتيبات اليوم التالي التي تؤرقه،حيث تتحدث الخطة الأمريكية المدعومة من العملاء الأعراب عن أن تتولاها إدارة دولية، بينما تصر كل القوى الوطنية الفلسطينية على أن يكون الحكم فلسطينيا خالصا.
ويشترط الاحتلال أيضًا عمق انسحابه المستقبلي بتسلّم قوة أمنية عربية-دولية لمهامها ميدانيا،وبدئها عمليا بعمليات نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية للمقاومة.
لكن كل فصائل المقاومة الفلسطينية ترفض هذا الشرط رفضا قاطعا، معتبرة أن نزع سلاحها يعني نزع حقها في مقاومة الاحتلال،وهو حق أصيل وشرعي للشعب الفلسطيني تكفله القوانين الدولية والشرائع الإنسانية، وترى أن أي نقاش حول مستقبل أدوات المقاومة يجب أن يتم ضمن اتفاق وطني فلسطيني جامع،لا كاستجابة لإملاءات صهيونية أو هندسة أمنية مفروضة من الخارج.
في موازاة ذلك، يسود إجماع وطني فلسطيني واسع على رفض فكرة التدويل في إدارة القطاع، انطلاقا من اعتبارها إعادة إنتاج حديثة لمفاهيم الانتداب/الاستعمار، ومحاولة لتغليف مشاريع السيطرة والاستثمار في غزة بأسماء جديدة مثل "السلام" و"الإعمار" و"الأمن الإقليمي"..
هذه العناوين المتشابكة تجعل المرحلة الثانية من الاتفاق مرحلة شديدة التعقيد،واحتمال الوصول إليها يبدو ضئيلا جدا.فكل ما يتعلق بترتيبات اليوم التالي لا يزال مرهونا بتفاهم داخلي فلسطيني أولا،ثم بمفاوضات جديدة مع الاحتلال عبر الوسطاء.
وهذا يعني أن الانتقال من ترتيبات الانسحاب الجزئي المؤقت إلى اتفاق شامل ودائم سيكون عملية طويلة ومرهقة ومحفوفة بالمخاطر، خصوصا في ظل استمرار الاحتلال في ربط انسحابه التدريجي بالتقدم في تنفيذ مطالبه الأمنية، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة،وهو مطلب غير قابل للقياس ولا للتنفيذ العملي حتى في أفضل الظروف، ناهيك عن كونه مرفوضا مبدئيا من الفصائل الفلسطينية.
في المحصلة، تمثل هذه المرحلة ميدان مواجهة بين المقاومة والاحتلال لا يقل خطورة عن الحرب ذاتها،وهي مرحلة لا تُقاس معالمها بالخرائط أو بالبيانات الرسمية، بل بمدى قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وحدتهم وثوابتهم في مواجهة محاولات فرض وصاية جديدة على قطاع غزة تحت غطاء السلام....
الإبادة لم تتوقف ولن تتوقف الا بالسيطرة على غزة وتهجير أهلها، وتفكيك الضفة،مايحدث هو فترة استراحة يتم خلالها تحقيق أهداف عدة.. هذا الراي ليس تشاؤم بل واقعي شكلها الوعي بالعدو الصهيوني ...
استراحة لخوض حرب اقليمية مدمرة على إيران ومن تم الإلتفاف على الاتفاق،فالثنائي ترامب نتانياهو مجرمين وضد الإنسانية ومرضى نفسانيين يتزعما قوى الشر في هذا العالم...
مجيد مصدق


0 التعليقات