الخميس، 20 أكتوبر 2016

إسماعيل طاهري يكتب: العدالة والتنمية ينتصر على نفسه قبل الإنتصار على التحكم أو الكتلة



تمكن حزب العدالة والتنمية من تحقيق فوز باهر في الانتخابات التشريعية ل7 أكتوبر 2016. وهزم علانية ما يسميه بنكيران التحكم وذراعه السياسي" الأصالة والمعاصرة المعروف اختصارا ب"البام". 
وكل سيناريوهات الجهات المعلومة الداعمة لحزب البام فشلت بعد ارتكابها لاخطاء قاتلة نظير مسيرة الدار البيضاء وشن حملة إعلامية غير مبررة على الحياة الخاصة لإخوان بنكيران وجماعته وصحبه. وقد أدت هذه الأخطاء القاتلة الى تأليب الرأي العام ضد حزب البام ومن يقف وراءه عوض أن تقويه بالنفوذ السلطوي. كما أن الداخلية لم تدخر جهدا لتحجيم حزب بنكيران من خلال تأجيل الانتخابات الجماعية من 2012 الى 2015 . وخلال الاعداد للانتخابات التشريعية تم تخفيض العتبة من 6 في المائة الى 3 بهدف تحجيم البيجيدي، وفتح الطريق أمام الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية للحصول على فريق برلماني، بعد أن أضحى حزبا صغيرا، وهو ما حدث فعلا حيث حصل على20 مقعدا وهي أصغر نسبة حصل عليها منذ الستينات، بل منذ تأسيسه في 1959 تحت مسمى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وعشية الانتخابات، عادت السلطة الى فتح ملف خطر الارهاب والتطرف واستغلت خطابا ملكيا في عز الصيف لتشن حملة اعلامية غير مسبوقة على الاسلاميين وفي القلب منهم حزب العدالة والتنمية وتوج ذلك بتأسيس تنظيمات لمحاربة التطرف والإرهاب. قبل ان توجه التهمة مباشرة الى العدالة والتنمية بكونها تنظيم يرعى الإرهاب ويمس سمعة الوطن ويعمل من أجل"أخونة الدولة والمجتمع". وبات واضحا للعيان أن السلطة تتجه لعزل حزب العدالة والتنمية. ورغم كل الخروقات الفاضحة تمكن العدالة والتنمية من الدفاع من موقع "المظلومية" من الفوز ب125 مقعد بنسبة تقارب 30 في المائة من مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الجديد.
فرغم موالاة أعوان السلطة في عدد من المناطق بناء على توجيهات عليا لا نعرف من أصدرها ، اتضح ان استعمال البام لآليات لوجيستيكية خارقة خلال الحملة الانتخابية وتوظيفه عشرات الآلاف من العمال السياسيين وأداء أجورهم بشكل يومي بعشرات الملايين في حد أدنى يبلغ 100 درهم لكل عامل مما يجعلنا نتساءل عن مصدر هذه الأموا؟ وهل سيتم التصريح بها لدى المجلس الأعلى للحسابات؟.
لقد انتصر العدالة والتنمية كتوجه محافظ على مختلف تشكيلات اليسار من اتحاد اشتراكي الى فدرالية اليسار الديمقراطي. الذين لم ينتبهوا الى خطورة مشروع البام عليهم وانساق الاتحاد الإشتراكي المنهك القوى وراء"شراكة سياسية" ملغومة مع البام انتهت بتراجعه الى 20 مقعد بنسبة تتجاوز نصف المقاعد المحصل عليها في 2011. وهو بالدليل اليوم "انتحار سياسي على مقصلة البام".
ووسط الحملة الإنتخابية انتبه المكتب السياسي للاتحاد الإشتراكي الى ان الثنائية القطبية مصطنعة ولكن حديثه جا ء في الوقت الميت وما قام به اليوم المكتب نفسه من توجيه مذكرة الى الملك حول الانتخابات وانتقاد النظام الانتخابي والقطبية والتغاضي عن تجاوزات السلطة الإدارية وتحيزها للبام. والتغافل عن تجاوزات حملة البام  والتركيز على تجاوزات البيجيدي ما هو الا ذر للرماد في العيون ومناورة للهروب الى الأمام وعدم الإقرار بالهزيمة. وكان على السيد إدريس لشكر أن يقر بالهزيمة ويقدم استقالته حتى يتمكن الاتحاد من تجاوز وضعية "الموت السريري،" التي يعيشها منذ اعتزال عبد الرحمان اليوسفي السياسية.
أما فدرالية اليسار الديمقراطي فقد كانت ناجحة الى حد ما في مواجهة حزب الأصالة والمعاصرة وتمكنت من احتلال الرتبة الثالثة من حيث قوة حملتها الانتخابية وحضورها الوازن على مستوى مواقع التواصل الإجتماعي. لكن سنة من تأسيس الفدرالية لم يكن كافيا لتوقعها بقوة في الساحة السياسية كما أنها كانت تفتقد الى ذراع إعلامي قوي.
***    ****
لقد انتصر حزب العدالة والتنمية على حزب الاستقلال الذي انسحب من حكومة بنكيران لاسباب سياسية تبدو معقولة وموضوعية لكن في جانب آخر منها توضح فيما بعد أن جهات معينة دفعت بحزب الاستقلال الى الانسحاب من الحكومة وتشجيع الانقسام الداخلي، خصوصا أنه وبعد الانسحاب ارتمى شباط في أحضان البام مما أفقده كثيرا من المصداقية والشعبية. ورغم محاولة تقديم نقد ذاتي بدا أن الإستقلال دخل الانتخابات وهو يتعرض لضربات تحت الحزام وزارة الداخلية بمحاكمة قيادييه والتضييق على أنشطته واتهامه باستعمال المال الحرام في انتخابات مجلس المستشارين وإسقاط ستة من فريقه بالغرفة الثانية بأحكام قضائية. لكن الاستقلال عوض أن يعمق تحالفه مع العدالة والتنمية بدا مترددا بل عاد ليعارض بشراسة حكومة بنكيران خلال الحملة الإنتخابية. وكانت النتيجة مخيبة للآمال بعد تراجعه الى 46 مقعد فاقدا17 مقعد عن انتخابات 2011.
والمثير في القضية أن تراجع نتائج حزب التقدم والاشتراكية ناتج عن استهدافه من طرف الجهات المعلومة وكانت ما حدث له منتظرا بعد لأن الدوائر الحاكمة لم تستسغ بعد تحالف شيوعيون مع إسلاميين في حكومة واحدة. وصدقت نبوءة اسماعيل العلوي الذي صرح أن"بيان الديوان الملكي سيؤثر على حزب التقدم والإشتراكية"
***    ***
لقد انتصر حزب العدالة والتنمية على نفسه لانه لم يسقط في الفخ الذي سقط فيه عبد الرحمان اليوسفي في تجربة التناوب التوافقي عام 1998 أي الفصل بين الأمين العام ورئيس الحكومة. وبنكيران لم يستجب بمكر بتاتا لكافة الدعوات التي تدعوه الى الفصل بين المنصبين والاستقالة من الأمانة العامة للبيجيدي وتركها لقيادي آخر من العدالة والتنمية حتى يتم التفرع لمنصب رئاسة الحكومة، أو على الأقل أثناء الإدلاء بالتصريحات الى العموم يجب أن يميز بين المنصبين. لذلك فسر نجاح العدالة والتنمية هو تماسكه التنظيمي واستمرار الدورة التنظيمية في الاشتغال في الحزب والمنظمات الموازية وكأن الحزب ليس في الحكومة. فلم يستطع التدبير الحكومي استهلاكه لذلك فاز كل وزرائه بمقعدين في اللوائح التي ترؤسوها. كما فاز جميع أعضاء الأمانة العامة الذين تقدموا للترشيح.
ويمكن القول أنه حتى لو افترضنا جدلا انهزام بنكيران في انتخابات 2016 كان سيحسب له أنه ترك حزب العدالة والتنمية متماسك التنظيم وقوي البنيان. كما أنه نجح في إبعاد التوحيد والإصلاح  عن التأثير في قرارات وزراء الحكومة.

لقد انتصر حزب العدالة والتنمية على نفسه من حيث تغيير مواقفه تدريجيا والتدرب على تسيير قطاعات حساسة في الدولة. وإن كان يعاب عليه عدم القدرة على محاربة الفساد. وإن أبلى البلاء الحسن في مواجهة ما يسميه الإستبداد وهو ما يصطلح عليه بالتحكم بوصفه مجموعة دوائر للقرار داخل الدولة من خارج الحكومة.


اسماعيل طاهري
  • تعليقات بلوجر
  • تعليقات الفيس بوك
التعليقات
0 التعليقات
Item Reviewed: إسماعيل طاهري يكتب: العدالة والتنمية ينتصر على نفسه قبل الإنتصار على التحكم أو الكتلة Rating: 5 Reviewed By: جريدة من المغرب. smailtahiri9@gmail.com
Scroll to Top